يخفون عنه ما يحدث فى التحرير، الساعة تقترب من السادسة، الثوار يسيطرون على الميدان، والمطالب تعلو بإسقاط المشير، وتندد بتعامل الشرطة «الوحشى» ضد المدنيين عشية السبت 19 نوفمبر، لكل من فى الطابق الخامس من مستشفى العيون الدولى ذكرى مؤلمة ارتبطت بهذا اليوم، يوم اقتنصت رصاصات الغدر أعينهم اليمنى، اليمنى بالتحديد، لكن ثمة شاب ضاعت عينه اليسرى، فهى الوحيدة الباقية، أما اليمنى، فضحى بها فى يوم الغضب 28 يناير.
أحمد حرارة، طبيب شاب فى ربيعه الثالث، يقبل على ما بقى من حياته بابتسامة وعزيمة هى عنده الدنيا بكل ما فيها، تخطئ صديقة له وتخبره بأن الجيش فض الميدان بالقوة، وأن مصابين كثيرين سقطوا، تتجمد ملامحه فجأة، يتأهب كل من فى الغرفة، الجميع يرسم ابتسامة واهنة على الوجوه وكأنه يراهم، يلقون النكات، يطمئنونه بأن الأطباء أكدوا إمكانية استعادة عينه الباقية، حال توقف النزيف فى غضون أيام، يمازحه آخر مطريا على حسناوات جئن للاطمئنان عليه بعدما تواترت الأنباء عن إصابته فى عينه، يتجهم للحظات، قبل أن يأتى ثالث بالخبر الفصل «الثوار تقدموا والجيش انسحب وسيطرنا على الميدان»، تتهلل أساريره ويرسم بأصبعين علامة النصر فى الهواء «الناس حقها هايرجع لها.. وعينيا مارحتش هدر».
هو أيقونة الإصرار هنا «أنا مالحقتش أرمى ولو طوبة، جابونى إزاى ولاد اللذينه دول، بس شكلهم كانوا طمعانين فيها.. عموما مش مهم، أنا برضه ضحكت عليهم، اديتهم عينين اتنين بس وهاناخد حريتنا، حرية مصر.. إحنا الكسبانين»، تترقرق دمعات فى مقل كل من بالغرفة، تتظاهر إحداهم بالتحدث فى هاتفها، تخرج إلى السلم الخلفى، يرتفع بكاؤها تدريجياً، تتلقى اتصالاً حقيقياً وتعجز عن التماسك، يحاول الطرف الآخر تهدئتها دون جدوى «يا أمى إحنا كلنا بننهار، جينا عشان نقف معاه ونواسيه لاقيناه هو اللى بيواسينا وخايف علينا وبيدينا أمل.. إحنا قليلين أوى جمبه».
عينه اليمنى فقدها فى جمعة الغضب، فزينها فخرا بقلادة نحاسية نقش عليها التاريخ «28يناير»، وكأنما وسام الثورة على جبينه، تأخر نزوله قليلا يوم 19 نوفمبر، لكن قدره كان بالمرصاد، شظايا رصاص مطاطى اخترقت عينه اليسرى، لم تفارقه سخريته، أخرج هاتفه وحاول عبثا الاتصال بأحد أصدقائه، أجابت حنان عند الثالثة صباحا، وحملته إلى المستشفى، وكان فى انتظاره المصابان مالك مصطفى وأحمد عبدالفتاح.
لا تملك نفسك حين تدخل إلى مالك فى غرفته إلا أن تنحنى على رأسه وتقبلها، الابتسامة نفسها فى الصورة التى تناقلها نشطاء تويتر وفيس بوك -بعد أن أصابت الرصاصة عينه- لم تفارقه، يتمدد فى كامل لياقته وكأنه أسد فى قيلولته، ينتابه توتر متقطع كلما طرق عليه أحد باب الغرفة، زوجته تراقب الغرفة من الخارج فيما يدخن خفية سيجارة منع عنها منذ أدخل المستشفى، فجأة يدلف شاب جاء لتوه من الميدان، يتحامل على نفسه ليجلس قليلا فى حضرة مالك ويطمئن عليه، لحظات ويتكشف أن الشاب القادم تلقى هو الآخر رصاصة فى عينه، ورؤيته بعينه اليمنى شبه معدومة، ينتفض محاولا الاتصال بطبيبه، تهدئة زوجته ويحمل الشاب إلى غرفة الكشف، ومنها إلى العمليات، إنه السيناريو المتكرر، طلق خرطوش فى العين اليمنى، ونزيف يتبعه خياران لا ثالث لهما، إما الأمل فى العلاج الطويل، أو الظلام الطويل «بس هى تيجى على عين كانت تهون، نتعمى ياسيدى كلنا بس نشوفها حرة، أمال كنا بنحارب كل ده ليه؟!».
يأتى الطبيب ليكشف عليه، يباغته ممسكا يده، «أنا ناس كتير كشفت عليا، ممكن تشوف الشاب اللى لسه جاى يمكن تقدروا تلحقوه»، يبتسم مطمئناً إياه أنه وقع الكشف عليه وجار اتخاذ اللازم، يأتيه الخبر بأن «حرارة» خرج من غرفة العمليات، يستند إلى زوجته فاطمة ويذهبان إليه، فى طريقه يطمئن على أحمد عبدالفتاح، كلاهما مصاب فى عينه اليمنى، أمرٌ يرى مالك فيه بعض الريبة، ثلاثة ممن كانوا معه فى «قصر العينى» أصيبوا الإصابة ذاتها فى نفس العين، يجتمع ثلاثتهم مالك وأحمد وحرارة على سرير الأخير، يرفع يده ليشد على أيديهم، تتعلق لبرهة فى الهواء، يرتبك الاثنان، لا يعرفان من يقصد، يبادر أحمد ويلتقطها «يا سيدى هانت، كلها كام يوم وتعمل العملية التانية وترجع زى الفل»، يبتسم «حتى لو مارجعتش..برضه زى الفل».
يتوافد الزوار على الغرفة 506، أشخاص سمعوا وقرأوا، لا يعرفون أحدا ممن أصيبوا، فقط عرفوا أن إصاباتهم كانت فى العين، يأتى عشرات الصحفيين والمصورين للاطمئنان على أحمد، أحدهم راح يسر إلى والديه «ابنكم ما اتصابش وهو سايق عربيته وسكران أو وهو بيهزر أو بيلعب، ده كان بيشتغل وماسك كاميرته سلاحه وفى أنضف وأنقى ميادين المعارك فى التحرير.. ماتزعلوش»، يسترق أحمد السمع إليه ويربت على كتفه: «يا صديقى أنا مش محتاج حد يواسينى، أنا فخور بإنى اتصبت، ولا عمرى كنت أحلم إنى أنول الشرف ده».
ثمة صداقة ميدان تجمع ثلاثتهم، لكن رابطة أقوى بين مالك وأحمد، وصلا تقريبا فى نفس التوقيت، يتندر الطبيب بقصتيهما «وصل مالك أولا، وتم تجهيزه لإجراء العملية، وعندما شاهد أحمد طلب من الطبيب أن يجرى الجراحة لصديقه أولا، أخبره بأن طبيبا آخر فى الطريق وسيصل فى غضون دقائق، ألح عليه، ورفض دخول العملية إلا بعد أن وصل الطبيب الآخر وبدأ يجهز صديقه، فأذعن راضيا، وسط أجواء أثارت دهشة كل المتواجدين بالمستشفى لمريضين عطل كل منهما نفسه عن إجراء جراحته حبا فى رفيقه، علما بأن الوقت لم يكن أبدا فى صالحهما، وربما يقضى على بصيص الأمل الباقى.
أفاق مالك وسأل على شيئين، الاعاشة فى الميدان وأحمد، تشرح فاطمة: «مالك هو المسؤول الأول عن إعاشة الثوار فى الميدان، الماء والعصير والطعام والأدوية والبطاطين، كانت مهمته رصد احتياجات الناس فى الميدان ونشر قائمة بها على «تويتر» و«فيس بوك» ومدونته وكل الوسائل المتاحة، وكان الاتفاق أن تأتى مساعدات عينية بشرط عدم التبرع بالمال، وكان شغله الشاغل الناس فى الميدان، وبعد أن طمأنته أن زميلا لنا تولى المسؤولية، راح يطمئن على أحمد، وظل ينتظره خارج غرفة العمليات ويدعو له».
موقف واحد ظل جميع من هذا الطابق يترقبونه بخوف، لحظة وصول والدة أحمد حرارة، يواسيه عبدالفتاح «أنا هاقولك قلبى معاك فى العملية.. إنما فى موضوع والدتك، ربنا هو اللى معاك ومعاها» ينفجر الجميع ضاحكا، يتدخل مالك «دى بهدلته عشان عين واحدة، أمال لو اتنين هاتعمل فيك إيه»، يقاطعهما مفتخراً «إنتوا عيال سيس، آخركم تفدوها بعين، فكان لازم أسجل موقف.. إنما اللى خايف منه بجد، لما أمى تيجى، أنصحكم كلكم تطلعوا برا الأوضة، أو تقولوا إنكم قرايب أحمدعبدالفتاح، أصلها كانت دايماً تقولى: «إنت عينى اللى بشوف بيها...».
----------------------------------------------------------------------------------------------------
هشام علام
0 comments:
Post a Comment