Jan 12, 2012

الشتاء ..عمرى المفضل

عقارب الساعة توشك ان تعلن أنها الرابعة فجرا ، البرد يذكرنى بأجواء يناير الماضي ، كنت قد عدت لتوى من جنوب السودان محملا بمخزون لا بأس به من الشمس والحرارة والملابس الصيفية ، ليلتان عقب عودتى وكان الخامس والعشرين من يناير ، ومعه حملت "ترينينج" للنوم وأمضيت ليالى الثورة فى الجورنال ؛ ألتحف ما تيسر من ملاحق الاهرام والاخبار واتوسد حقيبة يد قماشية قديمة كنت اتركها للمهمات الصعبة ، فيما كان مكتبي نهارا هو سريرى ليلا ، كان البرد "مايصا مايعا" مثل عهد مبارك ، لكن برد يناير الجارى برد ثورى ،برد شتوى قارص ، حتى الفصول اعلنت ثورتها وعادت إلى طبيعتها قبل تدخل نظام مبارك ، لا نامت أعين الجبناء
الشتاء هو فصلى المفضل ، لكن البرد ليس شعورى المفضل على الاطلاق ، لى معه ذكريات ، فى سياتل التى لا تتوقف أمطارها طيلة العام ، كنت أستمتع بالسير ليلا ونهارا فى الطرقات ، شقتى كانت فوق جزيرة على المحيط ، لكن البرد كان يفسد اى متعة احاول اختلاسها ، حبات المطر كانت مختلفة ، أمطارنا فى سياق المقارنة زخات ، "تنديع" كما يسميها أهل دمياط والمنوفية ، اما امطارهم فثلجية ثقيلة متسارعة مخيفة ، كنت أعشقها أيام المدرسة ، يوم تغيم السماء أشعر بابتهاج وانشراح ، يومها يتغيب مدرسونا ، كان بعضهم يعافر ويأتى من قريته فوق "عجلة نصر" ، حاميا ذيل بنطاله بجوربه فى مشهد كوميدي طالما يذكرني بعبدالله فرغلى فى مدرسة المشاغبين ، أما أغلبهم فكان يوثر البقاء فى بيته ، وبالتالى نستمتع بالحصص الخالية فى ألعابنا الصبيانية المجنونة
الشتاء وقتى المفضل ، فى اجازة نصف العام أقضيه مع جدى لأمى ، ليس أمتع أن ترى المطر يسقط فوق الزرع الأخضر ، نسرع فى ادخال البهائم إلى الحظيرة ، واشترط على جدى أن يسرج لى الحصان بعد توقف المطر فأمتطيه فى الشوارع المبللة والناس فى أوكارها ، يشعل لنا أغصان الليمون والحطب الجافة ، نكسر على سيقاننا أعواد القطن ونلقيها فى "المنقد" أو "الراكية" ، ونستمتع بالشاي المحلى فى الابريق المتفحم ، ونعود إلى جدتنا قبل الزوال فتتشاجر مع جدى لأنه تسبب فى اتساخ ملابسنا وتبلل شعورنا ، فتهتم بتجفيفنا خوفا من غضب أمى وخالاتي ، وننام من وهج المغامرة حتى الصباح
الشتاء هو فصلي المفضل ، استيقظ يوم الجمعة فأجد أبي يلبس روبا احفظ ألوانه عن ظهر قلب ، يتلحف ببطانية ويقرأ سورة الكهف فى طقس ثابت ، فيما تعد أمى أطباق ساخنة من الأرز باللبن ، كنا نضع عليها قليل من العسل الأسود ، ونفطر بها كمصدر متجدد للطاقة والحرارة ، وفى الغداء ترتفع رائحة شوربة العدس وأصناف المحشي ، لكن دائما ما يؤرق ليلتنا اصرار أبي - سامحه الله - على مشاهدة جلسات مجلس الشعب ونشرة 9
الشتاء فصلى المفضل ، قضيت عيد الأضحى منذ عامين فى الدنمارك ، وألحت علي خاطرة أن أصلى مع الجالية المسلمة فى ساحة خالية كما أفعل دائما فى مصر ، لم أتحمل أن أخرج يدي من جيبي ، كانت معى 4 رفيقات ، اثنتان من مصر ، ولبنانية وسورية ، كانت درجة ،
الحرارة 7درجات تحت الصفر ، هذا الشتاء لا أحبه ، أحب الشتاء المصري فقط، شتاؤنا يبدأ مع 16 درجة سليزية ، الصفر عندنا من علامات قيام الساعة ، قد يتبعه خروج المسيح الدجال ، لكن لا يهطل الثلج أبدا ،
أحب أن أشاهد تكوين الغيوم وأنا فى الطائرة ، أحب رصد حركة الرياح ، هنا تمطر ، وهنا تنقشع ، ومن هنا تسير إلى هنا ، أعشق تصوير نتف الثلج من فوق السماء ، أن أرى وجهها الآخر ، أرى تكوينها من الفضاء وأستمتع بتفككها وانسيابها زخات على كفى وانا فى الأرض ..أحب الشتاء من السماء ومن الأرض
الشتاء عمرى المفضل ، فيه لبست أحلى ثيابي ، وشعرت بأجمل دفء ومارست أشقي مغامراتى ، فيه التصقت باخواتى فى سرير واحد وتحت غطاء واحد ، فيه أحببت رائحة جسدي ، أحببت طفولتى ودراستي ، بسببه عشقت علوم الفضاء والفيزياء والفلك ، سمعت اغرب الحكايات عن البرق والرعد ، احب رائحة الأرض بعدما يبللها المطر ، أحب الشجر بعدما يغسل أوراقه المطر ،
، أحب السماء بعدما تتحرر من غيومها ، وأحب غيومها أكثر ، أحب قوس قزح ، وصلاة الاستسقاء والنشرة الجوية وملابس الشتاء ، حتى مسلسلات الشتاء لها نكهة مميزة

0 comments: